TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

إلى أين تتجه سوق صكوك المنطقة؟

إلى أين تتجه سوق صكوك المنطقة؟

 

من بين الجوانب المشرقة في سحابة الركود الاقتصادي العالمي ما وفرته من حافز لتطوير أسواق السندات والصكوك في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. وبعد أن واجهت هذه السوق شحاً مفاجئاً في تمويل البنوك وشللاً في أسواق الأسهم، بدأ عدد من الشركات الخليجية يبدي اهتماماً كبيراً بأسواق رأسمال الديون، وهي الخطوة التي لاقت دعماً ترحيبياً من جانب بعض الحكومات الإقليمية.

وتمكنت قطر على وجه الخصوص في غضون فترة قصيرة من الوقت من القيام بعدد من الإصدارات القياسية للسندات والصكوك بتواريخ استحقاق مختلفة، سواء كانت بالدولار الأمريكي أو الريال القطري، لتمهد بذلك الطريق أمام العديد من الإصدارات التي طرحتها الشركات.

ومع أن هذا التطور الإيجابي كان مؤثراً ليحقق المزيد من التقدم، إلا أنه بدأ في بيئة من الاضطراب السوقي المتصاعد والصدمات المتكررة على المستويين الإقليمي والدولي. وكان الإصدار السنوي للسندات والصكوك في مجلس التعاون الخليجي قد تهاوى بنحو 28.8 بالمئة منخفضاً من 61.5 مليار دولار في العام 2009 إلى 43.8 مليار دولار في العام 2010. لكن النصف الثاني من العام، خصوصاً الربع الأول، شهد انتعاشة طال انتظارها بلهفة كبيرة، وإن كانت قد تراجعت في النهاية بفعل الأزمة الأيرلندية.

كما أن إصدار الصكوك والسندات التقليدية، وليست تلك المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، يعد أهم الأسباب التي أدت إلى حدوث هذا التحول في السوق الخليجية. حيث شهد العام كله 65 عملية إصدار لسندات الشركات التقليدية بقيمة بلغت 26.7 مليار دولار من قبل شركات خليجية، مع 8 إصدارات للسندات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بقيمة إجمالية وصلت إلى 4.8 مليار دولار، ولو أنها شملت عدداً من إصدارات الصكوك البارزة من قبل عدد من الشركات الرائدة مثل «الشركة السعودية للكهرباء» و«بنك أبوظبي الوطني» و«بنك قطر الإسلامي» و«بنك أبوظبي الإسلامي».

ومثلما كان أداء دول مجلس التعاون الخليجي في سوق السندات متدنياً، فإن المنطقة فشلت أيضاً في مواكبة الزخم الإيجابي الذي ظهر في أسواق الصكوك الأخرى. وارتفعت قيمة إصدارات الصكوك العالمية في واقع الأمر بصورة حادة من حيث مجموع الإصدارات البالغة 233 إصداراً في العام 2009 لتصل إلى 405 إصدارات في العام 2010. وارتفعت القيمة الإجمالية من 33.5 مليار دولار لتصل إلى 50 مليار دولار. ونتيجة لذلك، فقد انخفضت حصة الشركات المصدرة في دول مجلس التعاون الخليجي من الإجمالي العالمي من 23.9 بالمئة في العام 2009 إلى 13.6 بالمئة في العام 2010.

وعلى النقيض من ذلك، استحوذت ماليزيا وحدها على حصة قدرها 77.3 بالمئة من قيمة الإصدار العالمي في العام 2010. ويقف هذا على النقيض تماماً من الأحجام النسبية للاقتصادات في ماليزيا ودول مجلس التعاون، حيث نجد أن إجمالي الناتج المحلي الإجمالي بدول مجلس التعاون الخليجي يزيد بمعدل خمسة أضعاف عن نظيره في ماليزيا، وبالتالي فإن الدينامية التي تتمتع بها السوق الماليزية دفعت بعض الشركات الخليجية إلى إصدار صكوكها هناك.

لكن ما هي الأسباب الكامنة خلف هذه المشكلة المكونة من شقين؟، يبدو أن الشعبية الأخيرة التي اكتسبتها السندات التجارية التقليدية المقومة بالدولار الأمريكي في دول مجلس التعاون الخليجي المصدرة للصكوك ترتبط بالتكاليف الثابتة والمزايا الوقتية التي تجعل منها مماثلة للسندات التقليدية، على العكس من الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. وعلاوة على ذلك، فإن اعتبارات الوقت تلعب دوراً مهماً لا سيما في بيئة السوق غير المؤكدة، حيث توجد هناك ثقة محدودة إزاء قوة الظروف المناسبة لإصدار الصكوك.

ومن الواضح أنه تم طرح العديد من الإصدارات بفضل خفض مستويات التوتر في السوق بعد تسوية مشاكل ديون «دبي العالمية»، وهدوء أزمة الديون الأوروبية. ومع ذلك، فإن الخوف من احتمال حدوث صدمات جديدة في سوق السندات، لا سيما بسبب المشاكل في أوروبا، لم يذهب بعيداً، الأمر الذي سيشجع المزيد من المستثمرين على اغتنام الفرص المتاحة لهم عند ظهورها في أي وقت.

ويبدو من الواضح أن الإصدارات بالدولار تستفيد إلى حد كبير من شهية المستثمرين تجاه أسماء الإصدارات في دول مجلس التعاون الخليجي، وينعكس هذا جلياً من خلال الاكتتابات الكبيرة من الإصدارات الأخيرة الكبرى، حيث تم طرح العديد منها لما تحظى به من دعم من خلال البيئة الاقتصادية المواتية والمرنة. كما استفاد المستثمرون الأجانب في المنطقة بفضل توافر السيولة نتيجة للسياسات النقدية غير التقليدية المتبعة في الغرب. وهناك تعقيد آخر يتمثل في حقيقة أن إصدار الصكوك لايزال أكثر تكلفة من السندات التقليدية. ويعتقد أن مجموع إصدار الصكوك لايزال يقل عن مستوى 500 مليون دولار، ويظهر ذلك من خلال تكاليف التوثيق المقدرة بمبلغ يتراوح بين 100 ألف و250 ألف دولار.

وعند مقارنة سوق دول مجلس التعاون الخليجي بالسوق في ماليزيا، يتبين أن الأولى لاتزال فتية نسبياً عن الأخرى، كما أن السوق الخليجية تعاني من التشرذم، في حين أن بنيتها التحتية تعتبر أقل نمواً، كما أن التداول الثانوي المباشر لايزال ضئيلاً. وإضافة إلى ذلك، تأثرت دول مجلس التعاون الخليجي من بطء عملية تطوير الإجراءات والممارسات للتعامل مع حالات التوتر التي تظهر في السوق. وحالت الكثير من الظروف القائمة دون التوصل إلى الحلول السريعة والفعالة من حيث التكلفة، علماً بأن بوادر مهمة تأخذ بالظهور في الوقت الراهن. وعلاوة على ذلك، أسهمت الظروف القائمة في لفت الانتباه إلى قضايا هيكلية أوسع نطاقاً تجاه بعض هذه الهياكل. وعلى الرغم من التقدم الإيجابي الذي تحقق في الآونة الأخيرة، إلا أن العمل الجاري حالياً لايزال بعيداً عن الوصول إلى تخوم الكمال من حيث الحصول على اتفاق واسع النطاق إزاء البنى القوية والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية على حد سواء.

وفي الوقت الذي تترك فيه هذه المشاكل الحقيقية تأثيراً في هذه السوق، فإن التوقعات تتجه نحو الأفضل على نحو متزايد. ومن ذلك، يلاحظ أن العدد الإجمالي من إصدارات الصكوك في دول مجلس التعاون الخليجي قد ارتفع من سبعة إصدارات إلى عشرة من الربع الثالث إلى الربع الأخير من العام الماضي، لكن القيمة الإجمالية زادت أكثر من ستة أضعاف من 361.67 مليون دولار إلى 2.338.65 مليون دولار. وبشكل عام، كان الطلب على الصكوك في ازدياد، حيث يتجلى ذلك بوضوح في نهاية العام.

وعلاوة على ذلك، فإن الانتعاش الذي تحقق خلال الربع الأخير في الإصدارات التجارية يعتمد في الأساس على القطاع المصرفي الذي يبدي شهية قوية للاستفادة من الصكوك، فضلاً عن السندات التقليدية، كنوع من تحول الأسواق إلى الانتعاش بعد انتهاء الأزمة. ويبدو أن المراقبين في السوق أكثر تفاؤلاً، حيث يتوقع هؤلاء الآن حدوث انتعاش في سوق الصكوك الخليجية، وربما تتجاوز الذروة التي تحققت في العام 2007، عندما وصل حجم السوق إلى 34.2 مليار دولار.

ويتمثل الجانب الأكثر تشجيعاً على الانتعاش في عدد من العوامل الهيكلية الحقيقية التي تبدو الآن بمثابة عوامل تمكين قوية. ومن المرجح أن تشتمل عمليات إعادة الهيكلة المؤسسية في مرحلة ما بعد الأزمة، لا سيما في القطاعات الأكثر تضرراً مثل العقارات والتمويل، على السندات والصكوك. وفي الوقت نفسه، سيستمر الدعم الحكومي، كما تدرس بعض الجهات الرسمية، مثل دبي ورأس الخيمة، إصدارات جديدة كطريقة لإعادة هيكلة ديونها. ويعتبر خط مشاريع البنية الأساسية الإقليمية الذي تبلغ قيمته تريليوني دولار حالة استثنائية وفق المعايير الدولية، كما أنه يوفر فرصاً جذابة على المدى الطويل لجمع الأموال من خلال السندات والصكوك.

ومع ذلك، فإن الزخم الإيجابي يتطلب تطوير المنتجات، خصوصاً ظهور مضامين أطول زمنياً، مع وجود العديد من المشاريع التي تزيد أعمارها على خمس سنوات. ومن المتوقع أن تشق البنية الأساسية للسوق طريقها نحو التحسن الآن، مع احتمال قيام بورصة قطر بإطلاق سوق ثانوية، في حين تعتزم سوق البحرين للأوراق المالية إنشاء «بيت البورصة» للمنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. كما يتوقع تنامي الطلب الإقليمي على الصكوك بشكل أقوى من جانب المستثمرين من المؤسسات، وعلى وجه الخصوص شركات التأمين ومديري الصناديق، حيث تتعزز مكانة هذه المؤسسات حالياً، وتبحث في الوقت الراهن عن فرص استثمارية طويلة الأجل، وفي كثير من الحالات عن المشاريع المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. وفي الوقت الذي لم تصل فيه سوق الصكوك في دول مجلس التعاون الخليجي إلى المكانة اللائقة من حيث الحجم، لايزال أمام هذه المنطقة الكثير من العمل الذي يتعين عليها إنجازه لمجاراة الأسواق العالمية.