يتوقع بنك "ستاندر تشارترد" أن يشهد العام الجديد اقتصاداً عالمياً يعمل بسرعتين. ويرى البنك، الذي تصدر مؤخراً تصنيفاً شمل 354 شركة عالمية فيما يتعلق بدقة توقعاته الاقتصادية خلال العامين الماضيين، تباطؤاً في الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري، حيث سيبدو ذلك أكثر وضوحاً في الدول الغربية في حين تشهد أسواق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وضعاً أكثر مرونة.
ومن المتوقع أن تتسبب الأزمة المتصاعدة في الاقتصادات المتطورة في تراجع منطقة اليورو (-1.5%) والمملكة المتحدة (-1.3%) إلى مرحلة الركود في حين ستشهد الولايات المتحدة نمواً (+1.7 % ) دون المستوى المعهود.
وذكر البنك في تقريره السنوي "جلوبال فوكوس"، حصل "مباشر" على نسخة منه، أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعد من المناطق الأكثر تنوعاً إقتصادياً حيث تواجه دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالنفط ديناميكيات إقتصادية مختلفة كل الإختلاف عن تلك التي تواجهها الدول المفتقرة للموارد الغنية. وفي حين تعد هذه المنطقة مفتوحة نسبياً، إثر إعتمادها، لدرجات متفاوتة، على الإتجاهات الإقتصادية العالمية، غير أن عواملها المحلية هي الوحيدة الكفيلة بدفع عجلة اداءها الإقتصادي لهذا العام الجديد.
وفي هذا الصدد، علق ماريوس ماراثيفتس، رئيس قسم الأبحاث لمنطقة اوروبا والشرق الاوسط وأفريقيا والامريكيتين في ستاندرد تشارترد قائلاً: "عند النظر إلى الملامح الإقتصادية والسوقية للتحديات المترتبة على الديون في أوروبا، لا بد من العودة بالزمن إلى ما حصل في العام 2009، غير أن بعض أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتمتع بمكانة أقوى بكثير اليوم. وينطبق ذلك بشكل خاص على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي التي نتوقع أن تظهر مرونة في الأداء وتباطؤ معتدل في معدلات النمو خلال العام 2012، لا سيما عقب تبدد مشكلة الأصول في هذه الدول وإنتهاء زمن الإئتمان غير المستدام. فقد باتت الدول تركز أكثر على التأثيرات الأساسية للمتغيرات السنوية.
ومن المرجح أن يستمر إعتماد شروط الإئتمان المشددة في هذه الدول، بإستثناء المملكة السعودية بشكل رئيسي. وفي حين لن تساعد هذه الشروط في دفع عجلة النمو، غير أنها لن تؤدي إلى ما حصل في العام 2009 حيث شهد النمو الإئتماني في المنطقة مرحلة غير منضبطة إلى توقف نهائي."
ومن المتوقع أن تبقى أسعار النفط مرتفعة في العام 2012، ما يبشر بالخير للموارد المالية الحكومية في الدول المصدرة للنفط، والتي من شأنها تعزيز القدرة على مواجهة المشاكل المالية الدورية. والجدير بالذكر هنا أن المملكة السعودية قد سبق وإعتمدت سياسة مالية تتبع مسار توسيعي، على أن تستمر بدفع عجلة النمو في الدولة خلال العام 2012.
ومن جهة أخرى، ستشهد الدول غير المنتجة للنفط والتي تعتمد أيضاً على صافي التدفقات النقدية عاماً أكثر تحدياً وصعوبةً، حيث ستواجه كل من الأردن ومصر نمواً إقتصادياً هشاً، لا بل سيتعين عليها إستقطاب التدفقات الأجنبية من أجل تعزيز احتياطاتها وتمويل حساباتها الجارية وبالتالي التغلب على العجز المالي. ولهذا، تعمد الأردن إلى إستقطاب التدفقات من دول المجلس التعاون الخليجي، في حين لا يزال إحتمال انضمامها إلى المجموعة قيد المناقشة دون التوصل إلى أي قرار نهائي حتى الآن. أما فيما يتعلق بمصر، فإنها تعتمد بالمقام الأول على الإستقرار السياسي للتمكن من إستعادة حياتها الإستثمارية والسياحية على حد سواء. فالجميع يترقب نتائج الإنتخابات الرئاسية المقرر قيامها في شهر يونيو القادم.
وفي تعليقاً على السياسات المتبعة، يرى ماراثيفتس أن "دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بحيز مالي يتيح لها تبني سياسات أكثر توسعاً. فالسعودية سبق ووضعت سياسات توسيعية من المقرر اعتمادها في العام 2012 أيضاً، في حين من المتوقع أن تشهد قطر إرتفاعاً في الإنفاق، إلى جانب أبوظبي. ومن جهة أخرى، إن القدرة المالية في كل من الأردن ومصر محدودة، وبالتالي ستصب كلا الدولتين تركيزها بشكل رئيسي على سد الفجوة في التمويل، لا على النمو."
ومما لا شك فيه، ستبقى السياسات المالية في دول المجلس التعاون الخليجي مرتبطة بالسياسة الأمريكية، حيث لا يخضع أساس ربط عملات المنطقتين لأي ضغوط من أجل رفع أو خفض قيمة العملة.
وكان الاقتصاد العالمي قد شهد نمواً قوياً خلال العام 2010، حيث سجل 4.3% قبل أن يمر بمرحلة نمو معتدل في العام الماضي وصل إلى حوالي 3.0%. كما يتوقع بنك "ستاندرد تشارترد" تباطؤاً كبيراً في النصف الأول من العام الجاري بسبب الأزمة في الغرب، حيث سيتباطأ النمو العالمي ليصل إلى 2.2% لكامل العام.
وقال جيرارد لايونز، كبير الاقتصاديين والرئيس العالمي للابحاث في بنك ستاندرد تشارترد: "سنشهد استمراراً في وجود اقتصاد ذو سرعتين في العالم، حيث يتناقض الوضع الاقتصادي الهش في الغرب مع المرونة التي ستشهدها دول الشرق. ويظهر ذلك اقتصاداً عالمياً منقسماً وغير مترابط يواجه معضلات سياسية كبرى. ولا يبدو حتى الآن أن هناك انعزال تام لمنطقة ما عن الأحداث الجارية في أماكن أخرى".
وأضاف لايونز: "في حين ستؤثر المشاكل في أوروبا والغرب خلال النصف الأول من العام الجاري على النمو الاقتصادي العالمي فإن النصف الثاني من العام سيشهد نمواً أقوى في الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة، ما سيسهم بدوره في إحداث نشاط حول العالم، حيث سيبدأ التعافي الاقتصادي في الشرق لينعكس صداه على الدول الغربية. ويأتي ذلك كخير دليل على التحول في القوى من الغرب إلى الشرق."
ويتوقع البنك في تقريره السنوي "جلوبال فوكوس" أن يشهد إجمالي الناتج المحلي لآسيا انخفاضاً إلى مستوى لا يزال قوياً وبنسبة 6.5% خلال العام الجاري مقارنة بـ 7.3% في العام الماضي. ويتوقع أن تحقق الصين معدل نمو معتدل في الأشهر الأولى من العام قبل أن تحقق انتعاشاً بفضل تحسين سياستها الاقتصادية. ونتيجة لذلك، سيتباطأ النمو في الصين من 9.2% إلى 8.1% خلال العام 2012.
أما النمو في الهند، التي تعد ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، فمن المتوقع أن يشهد ارتفاعاً معتدلاً يصل إلى 7.4% خلال السنة المالية التي تبدأ في 1 أبريل صعوداً من 7.0% في السنة المالية 2011. ومن المتوقع أن يشهد الاقتصاد في أندونيسيا، التي تعتبر أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، تباطؤاً في نموها يصل إلى 5.8% نزولاً من 6.5%.
ويبدو أن هناك قدر كبير من محركات النمو الكامنة في الاقتصادات الناشئة، بما في ذلك التنامي السريع للطبقة الوسطى وارتفاع حجم الاستثمار في البنية التحتية وتنامي العلاقات التجارية على طول الطرق التجارية الجديدة التي تربط آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وستصبح هذه العوامل أكثر وضوحاً في ظل انكماش الاقتصاد الأوروبي وخفض الديون الاستهلاكية في الولايات المتحدة.
كما يرى البنك حالة من المرونة المماثلة في أفريقيا، حيث من المرجح أن يشهد النمو في أكبر اقتصادين وهما جنوب أفريقيا ونيجيريا، تباطؤاً بنسب 3.1% و6.9% على التوالي خلال العام الجاري نزولاً من 3.2% و7.2% خلال العام الماضي. أما في أمريكا اللاتينية، فمن المرجح أن يتباطأ النمو في البرازيل بنسبة 2.5% نزولاً من 3.0%.
ويبقى التمايز هو الأساسي في الشرق الأوسط، حيث من المتوقع أن تشهد الاقتصادات الغنية بالموارد الطبيعية مرونة مع تباطؤ معتدل في النمو خلال العام الجاري، حيث ان فقاعات الأصول في المنطقة قد تبددت وطفرات الائتمان غير المستدامة ولت، مما يوفر قاعدة مستقرة للنمو. أما أسعار النفط المرتفعة فستدعم الموارد المالية الحكومية، الأمر الذي سيمكن السلطات من تبني سياسات مالية لمواجهة التقلبات المحتملة بهدف تحفيز النمو في ظل تباطؤ نمو الاقتصاد في الغرب.
وأضاف ليونز: "تعتمد التوقعات على التفاعل بين العوامل الأساسية والسياسات المتبعة والثقة، حيث ستكون التحديات في مجال السياسة المعتمدة أكثر وضوحاً خلال العام الجاري. وستعتمد الاقتصادات الناشئة سياسة مالية ونقدية لتعزيز النمو خلال النصف الأول من العام الجاري. ولكن بحلول النصف الثاني من العام، فإنه من الممكن أن يتسبب مزيج من التيسير الكمي في الغرب، بالإضافة إلى ثبات أسعار السلع في حدوث مخاطر تضخم ستظهر خلال النصف الأخير من السنة. ومن وجهة نظر استثمارية، يثير ذلك أيضاً احتمال العودة لمعايير التحوط الكلي، بما في ذلك تطبيق ضوابط أكثر صرامة على رأس المال".
أما بالنسبة لأسواق تداول العملات الأجنبية، فيشير ذلك إلى قوة الدولار الأمريكي على المدى القريب، حيث تؤدي العملة الأمريكية أداءً جيداً في بيئة تعتمد تجنب المخاطر. إلا أنه وعلى المدى البعيد يمكن أن يعني ذلك إضعافاً لقوة الدولار، ما يعكس عبء الديون الكبيرة لإقتصاد الولايات المتحدة الامريكية والتنوع المتواصل والتدريجي لسلة العملات بعيداً عن الدولار التي تعتمدها الحكومات وغيرها من المستثمرين الدوليين.
وأشار كبير الاقتصاديين والرئيس العالمي للابحاث في بنك ستاندرد تشارترد أنه من المتوقع أن تضعف قوة اليورو بشكل كبير خلال الربع الأول من العام الجاري، حيث سيدخل في اتجاه هبوطي طويل الأمد في ظل فشل السلطات في منطقة اليورو في اعتماد استراتيجية منسقة وموثوقة لحل مشاكل المنطقة. وتشير التوقعات طويلة الأمد لأكبر احتياطيين للعملات في العالم إلى استمرار التحول متعدد السنوات إلى اقتصادات وعملات الأسواق الناشئة، ما يعكس دورها المتنامي سواء في الاقتصاد العالمي أو التجارة العالمية. وفي ظل توجه أوسع للاستثمار في السيولة، من المتوقع أن يتواصل الاستثمار في عملات الأسواق الناشئة.
أما بالنسبة لأسواق السلع، فعلى الرغم من الخلفية الهشة للاقتصاد العالمي والتي يمكن أن تكون مماثلة لتلك التي حدثت في أوائل العام 2009، فإنه من المرجح أن يؤدي ضعف العرض في العديد من مواد الخام نتيجة الانخفاض الحاد في الاستثمار في مشاريع جديدة خلال عام الأزمة المالية في 2008، إلى التأسيس لأرضية ثابتة لأسعار السلع حتى لو شهد الطلب العالمي انخفاضاً كبيراً خلال الربع الأول من العام الجاري.
"ستاندرد تشارترد" يتوقع مرونة في اقتصادات دول الشرق الأوسط خلال العام الجاري
المصدر:
مباشر