TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

الحكومة ترحّل ملفات الإصلاح.. وتواصل تضييع فرص التنمية

الحكومة ترحّل ملفات الإصلاح.. وتواصل تضييع فرص التنمية

 

أضاع العراق بعد سقوط النظام الديكتاتوري سنوات لا تعوّض من أجل إرساء نموذج اقتصادي جديد يكفل وضع مسيرة التنمية على الطريق الصحيح. ويعود أحد أسباب تلكؤ الحكومة الواضح في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية إلى السياسات الشعبوية ومحاولات تملق الشارع في ظل احتدام الصراعات داخل الائتلاف الحاكم.

الانحناء حتى تمر العاصفة. هذا هو كما يبدو شعار الحكومة العراقية في الوقت الحاضر في التعامل مع ملفات الإصلاح الاقتصادي الملحّة. ففي شباط 2011 قررت الحكومة العراقية على سبيل المثال بجرة قلم تأجيل العمل بقانون التعرفة الجمركية الجديد الى أجل غير مسمى.

ولم يأت تجميد القانون رغم إقراره من قبل مجلس النواب عن قناعة متأخرة بعدم جدوى الرسوم الجمركية، بل نتيجة عامل الخوف من أي ردود فعل شعبية محتملة.

ويبدو ان هذا الاسلوب تحول الى نهج دائم لا يقتصر على العراق. فمنذ اندلاع ثورات الربيع العربي تحول هاجس الخوف من الشارع الى شبح يقض مضاجع الحكام بمختلف ألوانهم. وهو أمر جيد ومطلوب في منطقتنا المعروفة بإرثها الاستبدادي الطويل، غير أن هذا الخوف يدفع الحكومات في كثير من الأحيان الى اتخاذ إجراءات شعبوية هدفها تهدئة الشارع بأمل أن تمر العاصفة بأقل الخسائر.

وتبرز هذه الظاهرة خصوصا في الجانب الاقتصادي حيث أقدمت عدة حكومات عربية على خطوات تبدو في ظاهرها وكأنها محاولة للتخفيف من الأوضاع المعيشية الصعبة للجماهير، ولكنها في واقع الأمر تتعامل مع قشور المشكلة ولا تحل أسبابها. ونتيجة لذلك تحول الربيع العربي عمليا الى عائق بوجة الاصلاح الاقتصادي بدلا من يكون حافزا لاعتماد نموذج اقتصادي جديد قادر على مواجهة التحديات الكبيرة.

وهنا يكمن أحد الفروق الجوهرية بين التحولات في المنطقة وبين تجربة دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والتي لم تتبن القطيعة الكاملة مع نظام الحزب الواحد فحسب وإنما أيضا مع نموذجه الاقتصادي القائم على التخطيط المركزي وهيمنة القطاع العام.

هذه الظاهرة تتضح أيضا في العراق حيث يلاحظ إرجاء الكثير من الاصلاحات الاقتصادية الضرورية بسبب الخوف من غضب الشارع، بالاضافة الى الشلل الذي أصاب الحكومة نتيجة استفحال الخلافات بين أطراف الائتلاف الحاكم. وفي الوقت الذي تتخذ حكومة المالكي موقفا ملتبسا، بل ورافضا اتجاه رياح التغيير في المنطقة، تلجأ أيضا الى ركن الكثير من الملفات الساخنة وإصدار قرارات متسرعة تتنافى مع أبسط مبادئ الاقتصاد ولا تخدم التنمية المستدامة على المدى الطويل.

ولم يكن تأجيل العمل بالتعريفة الجمركية إلا مثالا بسيطا على ذلك. فبعد تظاهرات ساحة التحرير في ربيع العام الماضي والتي كان انقطاع الكهرباء المستمر في صيف العراق اللاهب أحد عناوينها الرئيسة تفتقت عبقرية حكومة المالكي وبعض حلفائه عن حل أقل ما يوصف بأنه قرار قرقوشي.

فقد بدأت الحكومة بتوزيع الوقود بالمجان على مالكي المولدات الخاصة بأمل أن يساعدوا في التخفيف من حدة هذه المشكلة التي أصبحت رمزا لدولة العراق الفاشلة. وبطبيعة الحال لم تمض ِ سوى فترة قصيرة لكي يكتشف بعض مشغلي المولدات أن بيع الوقود في السوق السوداء أسهل وأكثر أرباحا من تزويد الموطنين بالكهرباء.

وعندما تكتشف الحكومة ذلك سترد على ذلك بالرقابة والتي سرعان ما تتلاشى في دهاليز الفساد المتشعبة. وهكذا يدخل الجميع في دوامة ليس لها آخر والسبب هو عجز الحكومة طوال السنوات الماضية عن تقديم حل جذري لمشكلة الكهرباء.

وتتجسد سياسة تأجيل الاصلاحات بشكل واضح في التعامل مع القطاع العام المتضخم والمترهل. فبدلا من تطبيق حلول جذرية مع هذه التركة الثقيلة الموروثة من النظام السابق نجد أن اطراف ما يدعى بحكومة الشراكة الوطنية يتنافسون في الدعوة للاعلان عن عشرات الآلاف من الوظائف الشاغرة في أجهزة الدولة رغم علمهم بالأبعاد المخيفة لمشكلة البطالة المقنعة والتي تتسبب في هدر المليارات. ولو وظفت هذه الأموال بكفاءة لأدت الى خلق فرص عمل مفيدة ومصادر رزق دائمة لمئات الآلاف من المواطنين.

بعد الإطاحة بالنظام الديكتاتوري طُرحت العديد من المقترحات حول خصخصة مؤسسات الدولة وإعادة هيكلتها ومنها إصدار قانون للخصخصة وإنشاء هيئة عليا للخصخصة. ولكن الحكومات العراقية المتتالية واصلت منذ العام 2005 تجاهل هذه الملف الهام. ثم جاءت حكومة المالكي لتفتح باب التعيين في مؤسسات حكومية تعاني أصلا من فائض في العمالة ولا تعمل بعشر طاقتها الانتاجية وتتكبد خسائر باهضة حولتها الى عالة دائمة على ميزانية الدولة. ومن الملفت للنظر أن مسؤولي الدولة يحاولون الالتفاف على الاستحقاقات الاقتصادية عبر شعارات فضفاضة وفارغة من المضمون عن الشراكة بين القطاعين الخاص والعام.

وتتجلى سياسة التهرب من مواجهة التحديات الاقتصادية في طريقة التعامل مع إصلاح النظام الضريبي. فبعد 2003 عقدت وزارة المالية الكثير من الندوات العلمية وأقرت خططا طموحة هدفها تفعيل دور الضرائب في التنمية وتقليص اعتماد الموازنة على النفط. غير أن هذه الخطط بقيت حبرا على ورق ولم تجد طريقها الى التنفيذ. وتبدو الحكومة الآن وكأنها ترى في وزارة المالية ما يشبه أمين الصندوق الذي يسهر على تحصيل أموال النفط وتوزيعها. أما استخدام أدوات السياسة المالية ومنها الضرائب في عملية التنمية فلم يعد يحظى بأي اهتمام فعلي.

وتقدم البطاقة التموينية مثلا ساطعا آخر على سياسة دفن الرأس في الرمال. فعلى الرغم من مرور9 سنوات على سقوط النظام الديكتاتوري لا تزال الحكومة متمسكة بهذه التركة للعهد البائد. ولا يعود ذلك الى وجود قناعة حقا بجدوى هذا النظام البالي والفريد من نوعه في العالم والذي لا يوجد ما يبرره من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بعد زوال الاسباب الموجبة له. ولكن الخوف من استغلال هذه الورقة ضد الحكومة هو السبب وراء عدم البحث عن بدائل أكثر فعالية في مكافحة الفقر، تساهم في الحد من تبديد الموارد.

ويندرج ضمن الملفات المؤجلة موضوع التعداد السكاني الذي تحول الى مسلسل من حلقات كثيرة. فبعد أن كان من المفترض أن ينفذ في نهاية العام 2004، أُجل حينها بسبب المخاطر الارهابية. غير أن مسلسل التأجيل استمر حتى بعد تراجع أعمال العنف ومضي فترة زمنية طويلة على إجراء آخر تعداد سكاني شامل لجميع مناطق العراق.

ولا يعود السبب إلى نقص الاستعدادات الفنية والبشرية لدى الجهات المنفذة، وإنما إلى انعدام الإرادة السياسية والى الصراعات الطائفية والاثنية التي حولت التعداد السكاني إلى قضية قابلة للانفجار. ولهذا تفضل الحكومة تجنب إثارة المشاكل في ظل توازنات سياسية هشة يصعب فيها التفريق بين الحليف والخصم والعدو.

ويهدد شلل الأجهزة الحكومية بالانتقال الى مجالات أخرى مثل البنك المركزي. فمنذ فترة والجميع ينتظر تنفيذ مشروع إلغاء 3 أصفار من الدينار العراقي والذي يمثل خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار للعملة العراقية وتحسين التداول النقدي والتجاري وتسهيل عمليات التخطيط والرقابة المالية. غير أن استعدادات البنك المركزي لتبديل العملة بقيت حتى الآن دون نتيجة ملموسة بسبب غياب القرار السياسي. فأطراف الائتلاف الحاكم مشغولة بما هو "أهم" كالصراع على النفوذ والمناصب والامتيازات.

ومن الواضح أن تراجع الرغبة في التصدي لملف الإصلاحات الاقتصادية يرتبط أيضا بالارتفاع الكبير في العائدات النفطية في السنوات الأخيرة، إذ تبدو الحكومة سعيدة بتدفق مليارات النفط وكأنها وحدها ستكفي لحل مشاكل الاقتصاد العراقي المعقدة ولإنجاح مسيرة التنمية المستدامة دون الحاجة لوجع الرأس والتفكير بإجراء إصلاحات قد تمس مصالح هذا الطرف أو ذاك أو قد تستغلها هذه الجهة أو تلك. وبالتأكيد فإن ثمن سياسة التلكؤ والتهرب من المشاكل سيكون باهظا.