لاشك أن التضخم من الظواهر الاقتصادية التي تؤرق المسؤولين قبل المواطنين في مختلف البلدان خاصية النامية غير المنتجة .. بعدما صارت أطراف المعادلة متعددة ومتشعبة في ذات الوقت، لتخرج من كونها معادلة صعبة إلى معادلة أكثر تعقيد
خاصة في ظل معدلات زيادة أسعار شتى أنواع السلع والخدمات، التي يقابلها الزيادات المحدودة في الرواتب والأجور المتدنية، والمتتبع لسلسلة الزيادات في المرتبات وفي الأسعار، في معظم الدول، خلال عقدين أو ثلاثة، يجد الكثير من التناقضات، ففي الوقت الذي زادت فيه أسعار السلع بمعدلات تصل إلى 600 ضعف أو يزيد، وبمقارنتها بالفترة ذاتها، نجد أن معدلات مرتبات الموظفين في المؤسسات الحكومية والقطاع العام، لم تزد إلا بنسبة تتراوح بين 50 و70 %، وباستثناء بعض الشركات الكبرى، تكاد تكون نسبة الزيادات في القطاع الخاص معدومة، بل لم يحصل بعض العمال على رواتبهم كاملة في الشركات المتعثرة، وقد نتج عن ذلك فجوة كبيرة بين الدخول المتدنية وتكلفة المتطلبات المعيشية الأساسية، التي يستورد أكثر من 90 % منها من الخارج، وفي ظل ضعف الإنتاج ونقص إنتاجية العامل، بات من الضروري البحث عن صيغة ملائمة لاحتواء الآثار السلبية التي تؤثر أولا على محدودي الدخل، لأن المنحنى البياني يوضح وجود معدل مرتفع في الأسعار يقابله معدل أكثر انخفاضا في المرتبات والدخل، ورغبة شديدة في زيادة الاستهلاك، وإقبال على اقتناء المنتجات الجديدة والمتطورة، وهذا أمر صعب على المخطط والمستهلك والمنتج أيضا، عند محاولة السيطرة على الأسعار وحجم الاستهلاك، حيث من الضروري أن يكون استقرار الأسعار هو الهدف طويل الأمد للسياسة النقدية، ولن يتأتى ذلك إلا من وضع الآليات التي تضمن مراقبة الأسعار والإبقاء على المستويات الحالية لأسعار مشتقات البترول كالبنزين، الديزل والغاز، وغيرها من المنتجات المحلية كما هي دون ارتفاع، حتى نحجم ارتفاع أسعار السلع والخدمات المرتبطة بها، أو التي تتأثر بارتفاع هذه المنتجات، لأن زيادتها يساعد على ارتفاع معدل التضخم، إلا أن بعض الحكومات مضطرة إلى تحقيق مطالب فئوية بزيادة الأجور والمرتبات بنسبة ما، وهذه في الحقيقة مجرد مهدئات موضعية للأزمة، لم تلامس جذور المشكلة، وهذا له تأثير سلبي على الأسعار، ومن ثم على تضخم التضخم؛ لأن هذه الزيادات وإن كانت مطلوبة لمواجهة مشكلة تدني الأجور والزيادة المطردة في الأسعار من وقت إلى آخر على مدار العام، إلا أن الإنتاج المتوقف والاحتجاجات المتكررة لبعض الفئات في الدول التي تعيش في حالة المخاض السياسي، وعدم الاستقرار الاجتماعي، سيفاقم من الأزمة، لأن آليات السوق التي يحكمها العرض والطلب تفرض نفسها، مما يؤدي إلى أن تذهب أي زيادات في المرتبات والأجور إلى جيوب الجشعين من التجار والمحتكرين لبعض السلع والمنتجات، إذا استمرت الأسواق بدون وجود ضوابط رقابية فعالة.
ولاشك أنه نتيجة للتوترات الإقليمية والعالمية فإن الأمر قد يزداد سوءا، مع التضخم المستورد الأكثر تأثيرا على المجتمعات غير المنتجة لغذائها أو غير القادرة على توفير احتياجاتها الاستهلاكية بالكامل، حيث يرتد الفرق في زيادة تكاليف النقل والتأمين وأسعار النفط في الأسواق العالمية، على المستهلكين حتى في الدول المصدرة للنفط ..
ومن ثم تصبح زيادة المرتبات ليست هي الحل الأمثل لمواجهة غول التضخم، إذا لم يقابل ذلك زيادة فعلية في الاستثمار والإنتاج وفرص العمل الحقيقية، مع ترشيد في الاستهلاك والنفقات الحكومية غير الضرورية أو غير العاجلة؛ لأن زيادة الأجور لابد أن يقابلها نمو اقتصادي بذات النسبة أو أكثر.
ووفقا لرؤية المشهد والأحداث العالمية؛ فإن الزيادة الكبيرة في أسعار الغذاء العالمي واحتكار البعض لسوق للعقارات والتمسك بأسعار الإيجارات المرتفعة بدون مبرر حقيقي أو سبب جوهري؛ سيرفع من معدلات التضخم، ومن مؤشر الأسعار للمستهلك خلال العام الجاري خاصة أن الدول التي ترتبط عملتها بالدولار لا تستطيع زيادة سعر العملة المحلية مقابل الدولار حتى تخفض من تكاليف الواردات للحد من التضخم المستورد، حيث سيبقى معدل التضخم هو التحدي الرئيس لصانعي السياسة النقدية والمالية على حد سواء.