حسب معلومات تم نشرها قبل فترة، تبلغ ديون قطاع مستوردي الادوية على وزارة الصحة الفلسطينية حوالي 200 مليون شيكل، وحسب الاحصائيات ،تبلغ نسبة استهلاك المواطن الفلسطيني من المنتجات المحلية حوالي 15% من الاستهلاك الكلي، وهذا يعني ان حوالي 85% مما يتم استهلاكة في الاراضي الفلسطينية هي منتجات اما اسرائيلية او مستوردة من الخارج، ومن ضمن هذه المنتجات هي ادوية مستوردة، يستهلكها المريض الفلسطيني، ويبدو ان استيراد الادوية يستنزف جزءاً لا بأس بة من ميزانية وزارة الصحة، لان الوزارة بعياداتها ومستشفياتها ومراكزها هي الزبون الرئيسي لهذه الادوية، وبدون شك فان هذه الارقام تترجم وبالاضافة الى الخسارة في الدخل فيما لو تم انتاجها محليا، الى الالاف من فرص العمل الضائعة، خاصة في ظل الاوضاع الحالية حيث تصل نسب البطالة الى اكثر من 20%.
ويبدو ان معضلة الاقبال على الدواء الاجنبي، هي مشكلة المنتج الوطني بشكل عام، حيث تراكم الاعتقاد عند المستهلك الفلسطيني ان المنتج الاجنبي هو اكثر جودة وفعالية او فائدة، وفي حالة الادوية، اعتقد ان نسبة استهلاك الادوية المحلية، التي تنتجها الصناعة الدوائية الفلسطينية من الاستهلاك الكلي للادوية في السوق الفلسطينية، لا تتعدى نسبة ال 50%، وتغطي حوالي 45% من القيمة السوقية لسوق الادوية، وقد يكون هناك ادوية ، ولاسباب عدة لا تنتجها مصانع الادوية الفلسطينية، وهذه بالطبع يتم استيرادها، ولكن وفي حالات عديدة هناك ادوية يتم انتاجها محليا، ولكن الادوية المستوردة او الاجنبية المشابهة لها تباع اكثر، ومن قبل جهات عدة، وفي حالات عديدة تكون اسعارها اعلى مقارنة بالادوية المحلية، وهذا حسب وجهة نظري، لان المستهلك او المريض الفلسطيني، ما زال يتشبث بالمقولة ان الدواء الاجنبي هو اكثر فعالية او اكثر امانا من الدواء المحلي، ولا اعتقد ان هذا الاعتقاد صحيحا في كل الحالات ،في الوقت الحاضر.
وانا شخصيا كان لي عدة تجارب، وخلال فترات زمنية مختلفة، في التعامل مع جودة الادوية المحلية وفي العمل ولسنوات عديدة في اكتشاف وتطوير ادوية جديدة، على الصعيد العالمي من خلال شركات ادوية عالمية، وفي اواخر الثمانينات من القرن المنصرم، لم تكن هناك سلطة وطنية فلسطينية، وبالتالي لم تكن وزارة الصحة الفلسطينية اواجهزتها الرقابية للتعامل مع جودة وسلامة الادوية متواجدة بالشكل الحالي، ولم يكن كذلك هناك وحدات المراقبة والفحص الواجب وجودها في مصانع الادوية، ولا المختبرات العديدة بأجهزتها الحديثة الموجودة في الجامعات الفلسطينية او في القطاع الخاص، وبالتالي ربما وفي تلك الفترة وحتى منتصف التسعينيات تولد هذا الانطباع عند المستهلك الفلسطيني، أن الدواء المحلي هو قليل الجودة او الامان، ويبدو انة ما زال من الصعب التخلص من مثل هكذا اعتقاد.
اما الان، ومن خلال نتائج الفحوصات والمراقبة، سواء من جهات رسمية او جامعات، لا يوجد فرق يذكر في الجودة وبالتالي في فعالية الدواء المحلي مقارنة مع الدواء الاجنبي، الذي يحوي مادة فعالة مشابهة من حيث النوعية والكمية، والصناعة الدوائية الفلسطينية استطاعت ان تصل لاسواق عديدة عربيا ودوليا، وان تحصل على شهادات ورخص للعمل في العديد من البلدان، وبالتالي وبما انها تغطي فقط 50% من الاحتياجات المحلية، فإن هناك مساحة للنمو والاستحواذ اكثر على السوق الفلسطينية، وتشجيع تسويق واستهلاك الدواء المحلي، كمنتج وطني، تصب كذلك في عملية تحفيز ونمو قطاع الإنتاج في الاقتصاد الفلسطيني، فعملية التحول نحو اقتصاد إنتاجي والابتعاد أكثر عن الاقتصاد الاستهلاكي لسلع وبضائع يتم استيرادها هو تحول ايجابي تسعى اقتصاديات دول عديدة نحوها، من اجل تحقيق الاستقرار والاستدامة للاقتصاد.