د . محمد أبو عمشة ـ المستشار المالي والاستثماري بالأسواق المالية العربية
تلعب حوكمة الشركات دوراً مهماً في رفع تنافسية الشركات المساهمة من خلال تعزيز الشفافية، وتحسين إدارة الشركة، وضمان اتخاذ قرارات استراتيجية سليمة، والتعامل بطريقة عادلة مع المساهمين والعاملين والدائنين والأطراف الأخرى ذات المصالح، ما ينعكس على خفض كلفة رأس المال وتحسين الأداء المالي للشركات . وعلى المستوى الكلي فإن الحوكمة تسهم في طمأنة المستثمرين، وفي توفير بيئة مواتية تضمن عائداً مجزياً ومخاطر مقبولة، وبالتالي فإنها تعزز قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات .
وتحلل هذه المقالة المستخلصة من دراسة قمنا بإعدادها معالم حوكمة الشركات في دولة الامارات، من خلال استعراض نشأة وتطور الحوكمة وأهدافها ومقوماتها، وقياس مدى ممارسة الشركات المساهمة العامة الإماراتية لمبادئ الحوكمة الصادرة عن منظمة الاقتصاد والتنمية (OECD) وتسعى الدراسة أيضاً إلى تحليل أثر هذه الممارسة في الأداء المالي للشركات، واقتراح بعض السياسات والتوصيات، بعضها متعلق بالشركات نفسها، ويهدف الآخر إلى تزويد الجهات الإماراتية المسؤولة والمهتمة بالأسس الرئيسة بإجراءات سليمة للحوكمة وإنشاء نظام حوكمة إماراتي متكامل .
ومن المأمول، أن يسهم التحليل والتوصيات في زيادة القدرة التنافسية لهذه الشركات، مما يساعد جميع الأطراف على اتخاذ قراراتها الاستثمارية والائتمانية والخدماتية والإدارية والمالية، بشكل صائب في المديين القصير والطويل .
وتعاظم الاهتمام بمفهوم حوكمة الشركات في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة خلال العقود القليلة الماضية، وخاصة في أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية التي شهدتها عدد من الشركات في عدة دول . وعزت العديد من الدراسات تلك الانهيارات والأزمات إلى ضعف هياكل الحوكمة أو عدم ممارستها في تلك الشركات . ونظراً للتزايد المستمر في الاهتمام بهذا المفهوم، فقد حرص عدد من المؤسسات الدولية على تناوله بالدراسة والتحليل وتقديم عدد من الخطوط الإرشادية لتدعيم إدارة الشركات من جوانبها المتعددة، والذي سيكون له آثاره الإيجابية في الشركات نفسها وأسواق المال المدرجة فيها وعلى الاقتصاد بشكل عام .
ونشأ نظام الحوكمة تدريجياً خلال العقود الماضية ومن خلال تجارب دول مختلفة، بدءاً بالدول المتقدمة وانتهاء بالدول النامية، بما في ذلك الدول العربية ودولة الامارات خاصة . نشأ نظام الحوكمة واطار عملها للممارسات في المؤسسات نتيجة حاجات مختلفة في هذه المؤسسات . وقد عزز نشأتها التفاعلات ما بين المؤسسات في القطاعات المختلفة، والحاجة الماسة لوجود معيار للممارسات يجنب المؤسسات الوقوع في أزمات مالية، والتي كان من الممكن أن تجر بلدانها إلى تلك الأزمات .
وعلى الرغم من عدم الاتفاق على مصطلح وتعريف موحدين للحوكمة، إلا أن هنالك أهدافاً للحوكمة تحددت معالمها، ومنها تدعيم عنصر الشفافية، وتحسين وتطوير إدارة الشركة، وضمان اتخاذ قرارات استراتيجية سليمة، وتجنب حدوث أزمات مصرفية، وضمان التعامل بطريقة عادلة بالنسبة للمساهمين والعاملين والدائنين أو الأطراف الأخرى ذات المصالح، وتحسين الأداء المالي للشركات، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، وخفض كلفة رأس المال للشركات . وتم الاتفاق على محددات، خارجية وداخلية، لتطبيق الحوكمة . تشير الخارجية إلى المناخ العام للاستثمار كالتشريعات والرقابة، بينما تشتمل الداخلية على القواعد والأساليب التي تطبق داخل الشركات .
وانبثق عن هذه الأهداف والمحددات مقومات لنظام الحوكمة، تكفل للشركة تحقيق أهدافها باعتبارها شخصية معنوية مستقلة تسعى للمنافسة . لعل من أهم هذه المقومات، وجود قوانين وتشريعات تعنى بحقوق المساهمين، ووجود لجنة تدقيق داخل الشركة، ووجود أنظمة إدارية داخلية على درجة عالية من الكفاءة، وتحديد صلاحيات ومسؤوليات كل عضو في الشركة .
لم تكن دولة الامارات بعيدة عن التوجه العالمي في هذا الشأن، فقد شكلت هيئة الأوراق المالية والسلع اللجنة الوطنية للحوكمة . وتمثلت مهمة اللجنة في وضع نظام خاص للحوكمة ومحاولة تثبيته في دولة الإمارات . كما لعب مركز تطوير القطاع الخاص وجمعية رجال الأعمال الإماراتية دوراً ريادياً في محاولة نشر ثقافة الحوكمة في دولة الامارات، التي تعتبر قاعدة أساسية لانتهاج الحوكمة كمعايير للممارسات الإدارية والمالية . وقد أعد الباحث مجموعة من التقارير وحضر مجموعة كبيرة من ورش العمل واللقاءات في مناطق عدة لنشر هذه الثقافة .
واعتمدت الدراسة أسلوب الاستطلاع عن طريق توزيع استمارة محكمة على عينة من الشركات المساهمة، وتشمل الاستمارة بشكل رئيس مبادئ حوكمة الشركات لترصد مدى ممارسة الشركات المساهمة العامة الاماراتية لنظام الحوكمة .
وتبين نتائج التحليل أن مؤشر الحوكمة لعينة الدراسة قد تراوح ما بين 28 نقطة إلى 43 نقطة (Corporate Governance Index 0~50) . أما إذا حسبت النقاط على الصورة النسبية فإن قيمة المؤشر تتراوح بين 56% و86% . كما تشير نتائج التحليل إلى أن هناك تقارباً كبيراً بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، وقد برز من التحليل أن متوسط المؤشر للشركات المدرجة يفوق غير المدرجة بسبع نقاط من خمسين 14%)، وتؤكد هذه النتائج ما توصلت إلى دراسات سابقة، أن لدى الشركات المدرجة في الأسواق للتداول درجات ممارسة حوكمة أعلى من غيرها . وباستعراض المتوسط العام للمؤشرات الفرعية للممارسة، نجد أن مبدأ الإفصاح والشفافية كان المبدأ الأكثر ممارسة، يليه مسؤوليات ومهام مجلس الإدارة، فالتدقيق والرقابة الداخلية، ثم المساهمين والمعاملة العادلة بينهم وأخيراً دور أصحاب المصالح .
وقد توصلت الدراسة إلى أن الحوكمة وسيلة تمكن المجتمع من التأكد من حسن إدارة الشركة المساهمة بطريقة تحمي المستثمرين، وتساعدهم على اتخاذ قراراتهم الاستثمارية . وأن الحوكمة ليست مجرد وسيلة للبقاء، وإنما استراتيجية للازدهار تحدد بدرجة كبيرة مصير الشركات والاقتصادات من خلال الأثر المحتمل للحوكمة في الأداء المالي للشركات ودورها في خفض كلفة الوكالة .
وبناء على هذه النتائج فقد خرجت الدراسة بعدد من التوصيات أهمها نشر ثقافة الحوكمة وتعزيزها، من خلال قيام الجهات ذات العلاقة بعمل برامج تدريبية تعزز ثقافة الحوكمة وممارستها، إضافة إلى الإسراع في إصدار دليل حوكمة الشركات من قبل اللجنة الوطنية للحوكمة، ليكون بذلك مقياساً لممارسة حوكمة الشركات في دولة الامارات ومرجعاً معتمداً .
كما توصي بقيام الشركات خصوصاً المدرجة منها، برفع مستوى ممارسة الحوكمة للحد من مظاهر المخاطرة في السوق وتقليل الأثر السلبي لحالة عدم التأكد وعدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي . وأن يتجه المستثمرون إلى دراسة مستوى ممارسة الشركة لمبادئ الحوكمة، ولو بشكل مبدئي، لاتخاذ قراراتهم الاستثمارية . وأن تنصح مجالس إدارة الشركات بتشكيل اللجان التالية: لجنة الحوكمة، ولجنة الإفصاح، ولجنة المخاطر، ولجنة الرقابة الداخلية، مع ضرورة إلزام مدققي الحسابات الخارجيين إضافة فقرة في تقريرهم السنوي حول الحوكمة، إضافة إلى إجراء دراسات لاحقة لهذه الدراسة لمحاولة قياس الحوكمة لكل قطاع على حده، وذلك للأخذ بالاعتبار الأوزان النسبية للشركات العاملة داخل هذا القطاع . كما يجب البدء بدراسة مدى الانسجام في البيئة القانونية والمؤسساتية مع مبادئ حوكمة الشركات، وذلك لتكوين قاعدة قانونية قوية لنظام حوكمة فعال .
معالم حوكمة الشركات ودورها في جذب الاستثمارات
المصدر:
الجزيرة السعودية